الصالحي الشامي
350
سبل الهدى والرشاد
وقال تعالى فيما سألوه من الروح الذي يحيا به البدن : ( قل ) لهم ( الروح من أمر ربي ) أي علمه لا تعلمونه . ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) بالنسبة إلى علمه تعالى . وكلام ابن إسحاق يدل على أن هذه الآية مكية . ورواه الترمذي عن ابن عباس ، ورجاله رجال مسلم . وفي الصحيحين أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح بالمدينة فنزلت هذه الآية . قال الحافظ : ويمكن الجمع بأن يتعدد النزول ويحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك وإلا فما في الصحيح أصح . قال ابن إسحاق : فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عرفوا من الحق ، وعرفوا صدقه فيما حدث وموقع نبوته فيما جاءهم من علم الغيب حين سألوه عنه ، حال الحسد منهم له بينهم فقال قائلهم : ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ) أي اجعلوه لغوا باطلا وهزؤا ( لعلكم تغلبون ) بذلك فإنكم إن ناظرتموه وخاصمتموه غلبكم بذلك . فقال أبو جهل يوما ، هو يهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وما أتى به من الحق : يا معشر قريش يزعم محمد إنما جنود الله الذين يعذبونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر ، وأنتم الناس عددا وكثرة ، فيعجز كل مائة منكم عن رجل منهم ؟ فأنزل الله تعالى في ذلك : ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ) فلا يطاقون كما تتوهمون ( وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ) ضلالا ( للذين كفروا ) بأن يقولوا : لم كانوا تسعة عشر ( ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ) أي اليهود صدق النبي صلى الله عليه وسلم في كونهم تسعة عشر الموافق لما في كتابهم ( ويزداد الذين آمنوا ) من أهل الكتاب ( إيمانا ) تصديقا لموافقة ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم لما في كتابهم . ( ولا يرتاب ) يشك ( الذين أوتو الكتاب والمؤمنون ) من غيرهم في عدد الملائكة ( وليقول الذين في قلوبهم مرض ) شك بالمدينة ( والكافرون ) بمكة ( ماذا أراد الله بهذا ) العدد ( مثلا ) سموه مثلا لغرابته وأغرب حالا . ( كذلك ) أي مثل إضلال منكر هذا العدد وهدى مصدقه ( يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ، وما يعلم جنود ربك ) أي الملائكة في قوتهم وأعوانهم ( إلا هو ) سبحانه وتعالى . تنبيه في بيان غريب ما سبق : النضر : بنون وضاد معجمة . مكث : مرفوع فاعل أحزن .